القرطبي

44

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه ، سيما في حق اليتيم . وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني ، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين . فإن قال من ينصر مذهب السلف : إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين ، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم ، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله ؟ قيل له : اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي ، بخلاف القاضي ، فذلك فارق بين المسألتين . وأيضا فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الاسلام لا يتعين له مالك . وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف ، والقضاة من جملتهم ، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه ، وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق . قلت : وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول : إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله ، وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا ، غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن ، غير مضر به ولا مستكثر له ، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه . قال شيخنا : وما ذكرته من الأجرة ، ونيل اليسير من التمر ( 1 ) واللبن كل واحد منهما معروف ، فصلح حمل الآية على ذلك . والله أعلم . قلت : والاحتراز عنه أفضل ، إن شاء الله . [ وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب أتباعه فلا أدرى له وجها ولا حلا ، وهم داخلون في عموم قوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ( 2 ) ) ] . الخامسة عشرة - قوله تعالى : ( فإذا دفعتم إليهم فاشهدوا عليهم ) أمر الله تعالى بالاشهاد تنبيها على التحصين وزوالا للتهم . وهذا الاشهاد مستحب عند طائفة من العلماء ، فإن القول قول الوصي ، لأنه أمين . وقالت طائفة : هو فرض ، وهو ظاهر الآية ، وليس

--> ( 1 ) في ج : السن . ( 2 ) هذه الزيادة لا توجد الا في أوح‍ .